30 غشت 2008 - 16.33:34
الرسالة رقم 1
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وكفى, والصلاة والسلام على محمد المصطفى وعلى آله ومن وليه من خلقه و اهتدى. أما بعد, فأود آجلا, بل وقبل الشروع في هده الرسالة وخوض غمارها, أن أفتح نافدة من نوافذ التحية المنفهقة, للرائي أن يرى من خلالها أن أول ما تدل عليه مكانة المُحَيَّ ومنزلته عند المُحَيِّ…إنها نافدة يتجلى الحب من جوانبها و أطرافها بما فيه من الكفاء و الشفاء ما لو قدَّره المقدرون لما وجدوا له عند الروحاني الطبع من ثمن. أختاه إنها تحية مكسوة بفستان شفاف أحمر لونه, عطرة رائحته زكية, مكللان ذراعيه بالجواهر النفيسة الكريمة, مزين أسفله بالرياش البيضاء, وهو عند كمَّيه مطرَّز بخيوط مزكرشة خضراء ….تحيتي أميرة الجمال, إن أنتِ رأيتِها فلابد أن تظنّيِنها من بدع الصًُّناع و ربما ظننتِها أبهى ما نسجته أنامل العواتق, ولك في تحيتي من المتعارض الثابت خيوطا كثيرة ومن المضاد المخالف خيوطا أخرى, وثقي أنها كلها تتواشج بانسياق وتتداخل فيما بينها كما تتشابك النغمات بصوت المطرب الجوهري حين يقرع صدى صوته الأفئدة …وهيهات هيهات للسلاطين أن يمنحوا ذويهم دفئ تحيتي الحار.. الراسخ بمعانيه الجميلة كما ترسخ العاتق في ملاحك ذهن الوامق. أعلم وإياك أنيَّ أنا المثيل لك والشريج وأني الأخ الصديق الذي يُكِنُّ لك في فؤاده كماً هائلا من ثمين الإحساس والشعور. وحبذا والله للإنسان وهو في خلوته أن يراجع ذكرياته ويتصفح خالصها, عله يستحضر أمام عينيه صورة أحبابه, إذ في ذلك من المنافع الروحية ما لا يخفى, وعليه وجوبا أن يقف عند حسن الظن بالبعيد منهم والقريب حتى لا تنخرط الوساوس إليه فيضعف قدره عندهم أو يُشَانَ ببعض الإهمال. وخير لك أن تعلمي أن صلة الشرائج فيما بينهم أشبه ما تكون بكظائم الأرض الخصبة, وهي عندي هنا من صور الالتقاء بين مقدمتين متوازيتين … إنها صلة محبة وآصرة خير, تجري بأنفاسها كما تجري القنوات من تحت الأرض بالمياه العذبة, فهي تميح للإخوان والأقران نظافة الأجواء, وتمنعهم من هم القلاقل وضيق البال. هذا, وإنه ليسرني ـ سرور ذوي السعادة ـ أن تكون الفضيلة كل الفضيلة في معرفة حق الشبيه, فهي من دون هذا الحق زيف وإكسير ورذيلة, وهل هذا إلا لأن الفضيلة من جناحاتها ود فودادة وبهجة وسرور ؟ وكذلك لأن المثيل يعبر غالبا عن جزئيات عدة لا جزئية واحدة من كيان من يشارج, ولهذا كانت مراعاة الشريج من جانب حقوقه الروحية لشريجه مما هو معلوم ولازم كل عاقل لبيب .نعم هذا هو القول السديد حين نحاول أن نقرب المفاهيم وحين نَقْدِمُ في فحص الأمور رغبةَ لجمها بالدقة والحصافة….وكم يحزني ويُمِضُّني أن يفل عن ذهن العاقل كون المشابهة بين بعض الأفراد في التصرفات أو في بعض المعاملات إنما هي من ثوابت النسب, وهذه نقطة مهمة لا تتغير و لا تجن مهما باتت عناصر الخارج تلجها وتصبغها بخصائصها. وكم من الجمال جمال تلك الصورة التي تجمع بين المماثلين حين تتراكم فيها ألوان الأخوة على هيئة بستان غناء باه, للزائر أخاذ...يبهره بأزاهير نباته وهو في عين كل ناظر روعة وزهاء.. نعم..نعم.. تلك الصورة هي الجمال السعيد والواقع الفريد وهي حين يتنادم المماثلان ويستأنس كل منهما بالآخر استئناس القمر بالنجوم من خاصيات الأخوة. ….ومما يسرني كذلك أن أَصُوتَ قائلا " أيتها الشبه الواضحة بمعالمها و القرائن البارزة بمحاسنها ويا أيتها الصفات ـ أنت من تحفظين للمرء و لشريجه أحد الأسرار المغروزة بين الشرائج… الملصوقة بجنحات الطيماء ـ أنت نعم أنت من دلائل قدرة الجبار وعظيم بدعه, وأنت الجمال الأندر.. وليست دونك للمتأمل من ملاحظات تستحق أن يجنيها حتى يعاد زرعها ثانية كي تترعرع أمام مريدي فهم الإنسان, نعم هذا كله أنت لأنك تقربين المحبة وتدفعين للقرابة كما أنك تقومين المحبة والقربة, وبدونك يا شبه القرناء لا القرين يزور قرينه ولا المثيل المحب بمن سيقطع السبيل لوصول رحمه... لا هذا ولا ذاك ولا فضيلة ولا جمال ولا إحسان ولا إعجاب بدونك". وهل ننسى أن المفؤود بفؤاده, الرقيب على شريجه يعبر عبرات الفراق والبعد كلما اشتاق إلى نظير لبه وفكره, فهو كالأمة التي ثكلت أحد أبنائها حزنا.... ترجوه وترجو لقاءه كما يرجو هو أن يصل بمدى بصره إلى القفار رجاء أن يراها ثانية حتى يرق فؤاده ويسكب إياه كأس الصعداء بعدما جرعه الفراق كأس الشقاء والبؤس و الآلام. والجدير بالإعجاب في مسائل الأشباه أن الحدود والأمصار ولون الجلد واللغة ونوع الجنس من العوامل التي لا تؤثر في كسر معالم المشابهة بينهم, فقد يكون لواحد منهم نظيرا يتصف بنفس الأخلاق وتستميله نفس الميول وتلهيه نفس الملاهي ويفكر بعين المنطق الذي يفكر به نظيره, إلا أن بعض عوامل المشابهة فيما بينهم قد تكون منقطعة أو شبه منعدمة, و قد لا تتوفر بينهما البتة, وبالتالي قد تكون هذه البعضية الغائبة أهم الفوارق بينهما, وهذا مثله أن يكون لون الواحد منهما دون لون الآخر أو كأن يكون النظير ذكرا وتكون الأنثى نظريته, ولا غرابة أن تتواتر المشابهة بين أفراد العائلة الواحدة, بل لو تأملنا شأن الأسر لرأينا أن نسبة المشابهة بين أفرادها هي أعلى نسب المشابهة على الإطلاق, ولا عجب أيضا أن يكون فردين من أفراد عائلة ما من العائلات قد تميزا عن بقية أفراد أسرتهما تميز جلاء, ينقشع بارزا فيما أماحهما الله إياه من مشابهة وازدواج وتفاهم. ولا تناقض بين الشبه وقرائن الالتقاء التي يمكننا أن نرفعها بين الأبوين وأبنائهما وبين تلك الشبه التي يلتقي فيها الأخوين أو الأختين أو تلك التي بين الأخ والأخت, وقد يتسنى فهم هذا الأمر إن أخذنا ببعض قواعد الواقع ـ على أنها الفاصل لأي تناقض يمكننا توقعه ومصادفته أثناء محاولة الفهم ـ وكذلك إن رأينا أن المنطق يدلنا أن شبه الآباء بالأبناء قد تلتقي في نسب معينة, لكنها ليست هي نفس نسب المشابهة التي يلتقي فيها الأبناء فيما بينهم. وحقيقة أن المشابهة بين بعض الأفراد تختلف بين مثيل ومثيل له وبين ذكر منهم وأنثى, وهذا الاختلاف يتأتى بدلالة اختلاف الأفراد أنفسهم وبدلالة اختلاف نسبة المشابهة بين نظير وشبيهه, ولابد هنا أن أومض أن نسبة المشابهة قد تكون قوية في فرع ما من فروع شخصية أحد المتشابهين وقد تكون حقيرة وضئيلة فيما عداها من الفروع, ففرع الشكل والمظهر مثلا من الفروع التي تضعف بها نسبة المشابهة, خلافا لما يُعتقد عادة ويذاع, أما فرعا العقل والفكر فهما من أندر الفروع التي يلتقي فيهما النظراء, إلا أنه يكفى للحكم على نسبة المقارنة إيماننا أنها النسبة العالية, وأنها الفارهة الرسوخ إذ أنها تتصل بالجوهر أكثر مما تتصل بالمظهر كما هو شأن الشكل أو النسبة منه أو عضو من أعضاء البدن المعروفة. ولنا في التوأمين نسبة كبيرة ـ لا نجدها عند غيرهما ـ من صلات ومشابهات لا يستطيع المتأمل أن يستقصيها, وحتى إن هو حاول أن يعدها فلا سبيل له لذلك, وهنا يمكن للباحث في الموضوع أن يركز على إنجاز دستور فاصل بخصوصياته العامة حين دراسته التوأمين, ولابد أن العقل يوحي لك أن دراسة المشبهات والصلات بين التوأمين هي المحور الذي تنطلق منه أحكام النظراء, وأنها آلة الحسم حين نعرض أي نقذ أو أي تصحيح ممكن لبعض مسائل هذا الموضوع الجوهرية. أما دستور الباحث الدارس فيمكن أن يؤصل لأهم الالتقاءات التي تتم فيها المشابهة, ونسبة المشابهة التي يتوحد فيها النظراء والشبه الانفرادية التي يقع رفعها من حين لحين لنذورها. وعلى دارس هذه القضايا أن يمعن بناظره في جلاء مشابهة البنات بالأم في بعض العائلات, وأن يؤكد على حلول أخلاق الأمهات في بناتهن, وعلى حلول حمية البنات في أمهاتهن حلول الروح في الجسد ...إنها رابطة لا تكاد الألفاظ تطوقها, وليست الألسن بالتي تستطيع أن تعبر عنها, كما تعبر بنفسها على نفسها في عالم المشابهة الواقعي. وعلى ما قيل فالمشابهة بين الناس على مقربة ـ من حيث الجوهر ـ بالقصيدة الشعرية الموزونة الأبيات, المستقيمة بحورها والمشيدة بأحكام الشعر الدقيقة...قصيدة تحكمها المفردات وتزخرف معالم بنيناها وتعاظل بالجمال جوسقها الأشم…فهي قصيدة رائعة تتحد المعاني فيها من بيت لآخر حسب الضامة, وكأنها تأخذ من القصائد الأخرى كيانها, وبها مجموعة, وبالأدب تلتقي في سلسلة غير قليلة من الأحكام والشروط, إلا أنها دونهما عند التفصيل والنظر في الشرخ. هذا الكلام الآنف ذكره هو ما أوحى به إليَّ ضميري وهو إحساسي ولمعان قناديل أفكاري, وهو كذلك مضمون ما في وسعي أن أقدمه في موضوع النظراء والأنداد, وإنه ليسرني يا نظيرتي العزيزة أن أكلفك بأم المهمات, وهي أن تسلمي على جميع أفراد عائلتنا سلاما موثوقا بالحب والاحترام كما أريدك أن تسلمي بالخصوص على أمي الحبيبة. وقبل وضع مسك الختام أود منك أن تردي على هده الرسالة بأسلوبك الخاص, وهدا لئلا يصدق عليك قول القائل حين قال لأحد أصدقائه وهو يزوره: أنت كالكعبة تزار ولا تزور. و إنه لكم أريد منك يا أختاه أن تحدثيني عن شجونك و أفراحك, أو عن بعض جزئيات الالتقاء بين شخصينا, ولك إن شئت أن تحدثيني عن دراستك أو عن شراشر فؤادك, ولك كذلك أن تخبريني في ألوكتك عن ما يأربك فحصه أو بعض ما يروقكِ سبره سبر المستكشف البارع. هذا, استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه والسلام عليكم.
رخصة النشر (Syndication)